لم تكن مباراة أيرلندا وإسرائيل في دوري الأمم الأوروبية مجرد مواجهة كروية انتهت بثلاثية نظيفة، بل تحولت إلى لوحة معبرة تمازجت فيها الرياضة بالسياسة والتضامن الإنساني مع ضحايا الحرب في قطاع غزة. فقد رفض لاعبو أيرلندا مصافحة نظرائهم الإسرائيليين وتجاهلوا بعض البروتوكولات المعتادة، وارتدوا شارات سوداء تعبيرًا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني.
وحسم المنتخب الأيرلندي النتيجة بتسجيله ثلاثة أهداف خلال أول 25 دقيقة، لكن مواقف لاعبيه تجاوزت أي بيان مكتوب، وامتدت من ما قبل المباراة حتى صافرة النهاية. وقد سبق اللقاء نقاشات موسعة داخل المعسكر الأيرلندي حول جدوى خوض مباراتي إسرائيل في البطولة، وهو ما انتهى بانسحاب الحارس جافين بازونو من المعسكر.
رفض المصافحة وتجاهل البروتوكولات
قبل انطلاق المباراة، وقع أكثر من 160 رياضيًا أيرلنديًا على رسالة مفتوحة تطالب المنتخب الوطني بمقاطعة مباراتيه المقبلتين ضد إسرائيل في دوري الأمم الأوروبية. كما ألغى المنتخب الأيرلندي مؤتمره الصحفي المقرر قبل المواجهة، وأرجأ حصته التدريبية الأخيرة.
بدأت المواقف التضامنية قبل صافرة البداية، عندما رفض قائد أيرلندا دارا أوشيا مصافحة نظيره الإسرائيلي مانور سولومون خلال مراسم القرعة، في مشهد انتشر بكثافة عبر منصات التواصل الاجتماعي. وسار بقية اللاعبين الأيرلنديين على النهج ذاته، فامتنعوا عن المصافحة والتحية التقليدية قبل ضربة البداية، وتجاهلوا بروتوكول تبادل الأعلام أو التذكارات مع الجانب الإسرائيلي. وخلال عزف النشيد الوطني الإسرائيلي، خفض اللاعبون الأيرلنديون رؤوسهم، في لقطة عكست موقفهم الاحتجاجي من خوض المواجهة في ظل الأوضاع الإنسانية والسياسية المرتبطة بقطاع غزة.
أهداف مبكرة وسيطرة أيرلندية
فرض المنتخب الأيرلندي سيطرته المطلقة، ونجح في تسجيل ثلاثة أهداف خلال أول 25 دقيقة، ليضع منافسه الإسرائيلي أمام مهمة صعبة منذ البداية. افتتح تروي باروت التسجيل في الدقيقة 14 بعد تمريرة من جيمس أبانكواه، ثم أضاف آدم إيداه الهدف الثاني بعد دقيقتين فقط مستفيدًا من ارتباك الدفاع الإسرائيلي، قبل أن يكمل جاك مويلان الثلاثية الأيرلندية بتسديدة سكنت الشباك.
شارات سوداء وتحية للشعب الفلسطيني
ارتدى لاعبو أيرلندا شارات سوداء حدادًا على ضحايا قطاع غزة، لترافق هذه الخطوة بقية مظاهر التضامن التي شهدتها المباراة. وجاءت اللقطة الأبرز في الدقيقة 25 حين أكمل جاك مويلان الثلاثية، إذ توجه نحو الكاميرات وخلع الشارة السوداء وقبّلها ثم رفعها أمام العدسات، في تحية للشعب الفلسطيني وتقدير للشهداء الذين رحلوا نتيجة هذه الحرب.
كما ارتبطت المواجهة بمبادرة لتخصيص عائدات المباراة لدعم حملات المساندة في فلسطين. وأكد الرئيس التنفيذي للاتحاد الأيرلندي لكرة القدم، ديفيد كوريل، أن اللاعبين قرروا التبرع بمكاسبهم المالية من مباراة إسرائيل للمؤسسات الخيرية، وأن الاتحاد سيتبرع بعوائد مباراة أخرى تجمعه بالنمسا للجهات ذاتها.
كواليس المعسكر الأيرلندي
سبقت المباراة كواليس عديدة داخل معسكر المنتخب الأيرلندي، بعدما قرر الحارس جافين بازونو مغادرة المعسكر والانسحاب من قائمة الفريق رافضًا المشاركة في المواجهة. وتم اختيار المدافع الأيرلندي جيمي دان ليكون أحد حارسي المرمى الاحتياطيين، لأن قواعد الاتحاد الأوروبي تنص على تسجيل الفرق المشاركة ثلاثة حراس مرمى لمباريات دوري الأمم الأوروبية.
وشهد المعسكر اجتماعات مكثفة ونقاشات بين اللاعبين وصلت إلى إجراء تصويت بشأن خوض المباراة، إذ أيد نحو تسعة لاعبين موقف بازونو الداعي إلى الانسحاب، وهو ما أثر على التحضيرات وأدى إلى تعطيل بعض الحصص التدريبية.
وتزامنت هذه التطورات مع تصريحات مدرب أيرلندا، الآيسلندي هيمير هالجريمسون، الذي أشار إلى صعوبة الأجواء المحيطة بالفريق قائلًا: “لا أحد منا يشعر بالراحة لخوض هاتين المباراتين”، مؤكدًا أن التحضيرات كانت من الأصعب في مسيرته من الناحية الكروية بسبب سيطرة النقاشات والمشاعر المرتبطة بالقضية على أجواء المعسكر.
وأبدى هالجريمسون احترامه لقرار حارسه قائلًا: “لدي احترام كبير جدًا لجميع أفراد التشكيلة، والبعض اتخذ قراراته الخاصة مثل جافين، الذي اتخذ قرارًا شجاعًا للغاية، وأنا أحترم ذلك بالكامل وأدعم جميع اللاعبين مهما كانت خياراتهم”.
زيادة التوتر وتصريحات مثيرة
وازدادت حدة التوتر أكثر عندما استخدم هيمير هالجريمسون كلمة “إبادة جماعية” في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي، فرد الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بوصف تصريحاته بأنها “غبية وتنم عن جهل”.
ولم تتوقف المواقف الاحتجاجية عند النتيجة أو أحداث الشوط الأول؛ إذ غادر لاعبو أيرلندا أرض الملعب مباشرة عقب صافرة النهاية متجهين إلى غرف الملابس، دون مصافحة لاعبي المنتخب الإسرائيلي أو تبادل القمصان، لتظل الرسائل التي رافقت اللقاء حاضرة حتى لحظاته الأخيرة.

التعليقات